أنا .. داء إبليس اللعين
تمجيد الذات من أعظم الآفات وأشدها خطرا ,ً وهو داء يجعل المرء يهلك نفسه ويشقى بغيره , وهو داء إبليس اللعين عندما قال لربه تبارك وتعالى : ] أنا خيرٌ منه خلقتني من نار وخلقته من طين [ وهو داء فرعون عندما قال لقومه : ] أنا ربكم الأعلى [ وأصل هذا الداء كامن في كل نفس إلا من رحم الله , فمستقل ومستكثر وإنما يجاهد المرء نفسه ليخلصها منه وإلا فإنها تورده موارد الشقاء والهلاك , فالكبر والعجب والظلم والغرور والسخرية وكل آفة قبيحة إنما تبدأ من جهل المرء بنفسه وتماديه في إطرائها ومدحها وتزكيتها دون أن يشعر , فمن الناس من يهلك نفسه في تجميدها أمام الناس بصورة مباشرة بأن يفخم أعماله ومواقفه , أو غير مباشرة بأن يغمط الناس ويقلل من أعمالهم ومواقفهم , وقد يسرف في ذلك حتى يملوا منه مجالسه , ولكنه لا يجد من يصارحه بذلك مجاملة , أو خوفاً , أو لأي سبب من الأسباب .
وفي الآونة الأخيرة استشرى هذا الداء عند طائفة من الناس فصاروا يسوقون تجارب خاصة جداً بمناسبة وبدون مناسبة ولا يكترثون هل هذه التجارب مؤثرة ومفيدة أم لا وإنما مقصدهم أن يستأثروا بالحديث دون غيره فيغوصون في تفاصيل من حياتهم لا قيمة لها , وقدر من ذلك قد يسوغ في بعض الأحيان لبعض الأشخاص ولكن ليس في كل وقت يقال كـل شيء .
ومن يتأمل حال كثير من المجالس يرى أنه قد خلا حديث الناس في مجالسهم ومنتدياتهم من العلم النافع الذي هم بحاجة إليه وشغلهم القيل والقال والتحليل والتأويل والخوض فيما لا يعني من الأمور , وإنك لتعجب عندما يكون في هذه المجالس أكثر من شخص ممن ابتلوا بــ أنا فيكون الحديث سجالاً بينهم وبقية الحاضرين صامتين لا يتكلمون إلا أن يطأطئوا رؤوسهم وقد يكون هذا النهج اعني كثرة الحديث عن التجارب الشخصية ولو كانت تافهة مما وفد إلينا من أمم الغرب والشرق مما يعنون في كتاباتهم ومحاضراتهم بسرد قصص وحوادث خاصة تثير انتباه القارئ أو المستمع ولكن ليس لها أي فائدة تذكر , وقد تستمع إلى محاضرة طويلة فلا تخرج منها إلا بخواطر عابرة وتجارب عادية لا تقدم ولا تأخر سواءً المحاضر قد أطلعك على بعض خصوصياته , وتفننه في إراد الغرائب من الشواهد والقصص التي لا ثمرة لها وقال الأمام أحمد : ( شر الحديث الغرائب التي لا يُعمل بها ولا يُعتمد عليها ) . إلا ما أحوجنا في مثل هذه الأوقات بأدب الحديث والمجالسة , مما علمنا إياه الإسلام , لقد قال رجل للأمام أحمد : جزاك الله عن الإسلام خيراً . فغضب وقال : ( ومن أنا حتى يجزيني الله عن الإسلام خيراً , بل جزى الله الإسلام عني خيراً ) .
ثم إن اشتغال المرء بالثناء على نفسه ومدحها ليس دليل قوة , بل هو ضعف ومهانة , ولو أن المرء جعل همه إصلاح نفسه ومعرفة عيوبها لكن أجدر به , ولو فتش المرء عن نفسه في إحدى مجالسه مع الناس أو سأل غيره ممن ينصح له لتبين له عيوبها وخفاياها , فطوبى لمن كبح جماح نفسه وزكاها , أيقين بضعفه وتقصيره , وأنظر إلى قول بعض السلف : ( إني لأعد مائة خصلة من البر ما أعلم في واحدة منها ) . وقارن بحال من شُغلوا بعد محاسنهم وأعمالهم وهم يعلمون من أنفسهم التفريط في كثير من خصال البر .
ملاحظة : الموضوع للقرأة
ولكم تحياتــــــــي /
«®°·.¸.•°°·.¸.•°™ خـنــ§>^<§ـــخـة ™°•.¸.·°°•.¸.°®»