
الحمد لله الذي لا رب سواه والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم .
وبعد......... قال محمد اليافعي : لحظات من أصعب اللحظات ، يمر بها أغلب الناس ، لحظات يصعب على القلم أن يكتبها ، ويصعب على القارئ أن يكملها ، إن قلت لوطئتها ، صدقت ولكن لم تصفها ، وإن قلت لعسر إحساسي وتصوري لها ، صدقت ولم تعطها حقها ، هي والله سريعة بطيئة ، شديدة - فيما بعد - على كل شديد ، يسيرة - فيما بعد - على كل سهل حنيف ، مر بها خير الأنبياء صلى الله عليه وسلم ، قال عنها : ان للموت لسكرات ، سكرات تذهب العقل وتسكره ، ولا يتكلم إلا بما في القلب ، ان خيرا فخير ، وان شرا فشر والعياذ بالله .
لقد جاءني البكاء وأنا اكتب هذه اللحظات ، وكيف أن خير الأنبياء مر بها ، وكذلك خير الناس بعد الأنبياء - الصحابة رضوان اله عليهم – مروا بها ، والكل في خوف ورجاء ، وهم وبلاء ، وهروبا من دار الشقاء - الدنيا - الى مجهول !! ، لسان الحال يقول : كيف لي أن اعرف إلى الجنة المصير ، أم إلى عذاب وسعير - نسأل الله السلامة - ، ولكي لا يطول الكلام ، أقول وبالله التوفيق ومنه السداد :
في يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول للسنة الحادية عشرة للهجرة ، كان المرض قد أشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم ، و سرت أنباء مرضه بين أصحابه ، و بلغ منهم القلق مبلغه ، وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أوصى أن يكون أبوبكر إماما لهم ، حين أعجزه المرض عن الحضور إلى الصلاة .
و في فجر ذلك اليوم و أبو بكر يصلي بالمسلمين ، لم يفاجئهم و هم يصلون إلا رسول الله و هو يكشف ستر حجرة عائشة ، و نظر إليهم و هم في صفوف الصلاة ، فتبسم مما رآه منهم فظن أبو بكر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم يريد أن يخرج للصلاة ، فأراد أن يعود ليصل الصفوف ، و هم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم ، فرحا برسول الله صلى الله عليه و سلم ، فأشار إليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و أومأ إلى أبي بكر ليكمل الصلاة ، فجلس عن جانبه و صلى عن يساره ، و عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجرته ، وفرح الناس بذلك أشد الفرح ، وظن الناس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أفاق من وجعه ، واستبشروا بذلك خيرا وجاء الضحى وعاد الوجع لرسول الله صلى الله عليه و سلم ، فدعا فاطمة فقال لها سرا أنه سيقبض في وجعه هذا فبكت لذلك ، فأخبرها أنها أول من يتبعه من أهله ، فضحكت ، و اشتد الكرب برسول الله صلى الله عليه و سلم و بلغ منه مبلغه ، فقالت فاطمة : واكرباه ، فرد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا : لا كرب على أبيك بعد اليوم ، وأوصى رسول الله صلى الله عليه و سلم وصيته للمسلمين وهو على فراش موته : الصلاة الصلاة و ما ملكت أيمانكم ، الصلاة الصلاة و ما ملكت أيمانكم و كرر ذلك مرارا ، ودخل عبدا لرحمن بن أبي بكر وبيده السواك ، فنظر إليه رسول الله ، قالت عائشة : آخذه لك ؟ ، فأشار برأسه الشريف صلى الله عليه وسلم أن نعم فاشتد عليه ... فقالت عائشة : ألينه لك ... فأشار برأسه أن نعم ، فلينته له ، و جعل رسول الله صلى الله عليه و سلم يدخل يديه في ركوة فيها ماء ، فيمسح بالماء وجهه وهو يقول : لا إله إلا الله إن للموت لسكرات ، وفي النهاية شخص بصر رسول الله صلى الله عليه و سلم - روحي فداه - وتحركت شفتاه قائلا : مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين و الشهداء والصالحين ، اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى ، اللهم الرفيق الأعلى ، اللهم الرفيق الأعلى ، اللهم الرفيق الأعلى ،و فاضت روح خير خلق الله صلى الله عليه وسلم ، فاضت أطهر روح خلقت إلى ربها فاضت روح من أرسله الله رحمة للعالمين و صلى اللهم عليه و سلم تسليما.1)
الصحابة الكرام رضي الله عنهم : سيدنا ابوبكر الصديق رضي الله عنه :
لما احتضر أبوبكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه حين وفاته قال : وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد .
و قال لعائشة :انظروا ثوبي هذين ، فاغسلوهما وكفنوني فيهما , فإن الحي أولى بالجديد من الميت .
ولما حضرته الوفاة أوصى عمر رضي الله عنه قائلا :إني أوصيك بوصية , إن أنت قبلت عني : إن لله عز و جل حقا بالليل لا يقبله بالنهار , و إن لله حقا بالنهار لا يقبله بالليل , و إنه لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة ، و إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه في الآخرة بإتباعهم الحق في الدنيا ، و ثقلت ذلك عليهم ، و حق لميزان يوضع فيه الحق أن يكون ثقيلا ، و إنما خفت موازين من خفت موازينه في الآخرة باتباعهم الباطل ، و خفته عليهم في الدنيا و حق لميزان أن يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفا. سيدنا عمر رضي الله عنه :
ولما طعن عمر جاء عبدا لله بن عباس ، فقال: يا أمير المؤمنين ، أسلمت حين كفر الناس ، و جاهدت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم حين خذله الناس ، و قتلت شهيدا و لم يختلف عليك اثنان ، و توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو عنك راض .
فقال له : أعد مقالتك فأعاد عليه ، فقال : المغرور من غررتموه ، و الله لو أن لي ما طلعت عليه الشمس أو غربت لافتديت به من هول المطلع .
و قال عبدا لله بن عمر : كان رأس عمر على فخذي في مرضه الذي مات فيه .
فقال : ضع رأسي على الأرض .
فقلت : ما عليك كان على الأرض أو كان على فخذي ؟!
فقال : لا أم لك ، ضعه على الأرض .
فقال عبدا لله : فوضعته على الأرض .
فقال : ويلي وويل أمي إن لم يرحمني ربي عز و جل. سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه :
قال حين طعنه الغادرون و الدماء تسيل على لحيته :
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين .
اللهم إني أستعديك و أستعينك على جميع أموري و أسألك الصبر على بليتي .
ولما استشهد فتشوا خزائنه فوجدوا فيها صندوقا مقفلا . ففتحوه فوجدوا فيه ورقة مكتوبا عليها (هذه وصية عثمان)
بسم الله الرحمن الرحيم .
عثمان بن عفان يشهد أن لا إله إلا الله و حده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله و أن الجنة حق . و أن الله يبعث من في القبور ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد . عليها يحيا و عليها يموت و عليها يبعث إن شاء الله .
سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه :
بعد أن طعن علي رضي الله عنه قال : ما فعل بضاربي ؟
قالوا : أخذناه
قال : أطعموه من طعامي ، و اسقوه من شرابي ، فإن أنا عشت رأيت فيه رأيي ، و إن أنا مت فاضربوه ضربة واحدة لا تزيدوه عليها .
ثم أوصى الحسن أن يغسله و قال : لا تغالي في الكفن فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلبا سريعا
و أوصى : إمشوا بي بين المشيتين لا تسرعوا بي ، و لا تبطئوا ، فإن كان خيرا عجلتموني إليه ، و إن كان شرا ألقيتموني عن أكتافكم .
سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه :
الصحابي الجليل معاذ بن جبل حين حضرته الوفاة و جاءت ساعة الاحتضار نادي ربه قائلا : يا رب إنني كنت أخافك ، و أنا اليوم أرجوك ، اللهم إنك تعلم أنني ما كنت أحب الدنيا لجري الأنهار ، و لا لغرس الأشجار ، و إنما لظمأ الهواجر ، و مكابدة الساعات ، و مزاحمة العلماء بالركب عند حلق العلم .
ثم فاضت روحه بعد أن قال : لا إله إلا الله ...
روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ( نعم الرجل معاذ بن جبل ).
و روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : أرحم الناس بأمتي أبوبكر .... إلى أن قال ... و أعلمهم بالحلال و الحرام معاذ ) .
سيدنا بلال بن رباح رضي الله عنه :
حينما أتى بلالا الموت قالت زوجته : واحزناه ، فكشف الغطاء عن وجهه و هو في سكرات الموت وقال : لا تقولي واحزناه وقولي وافرحاه ، ثم قال : غدا نلقى الأحبة ..محمدا و صحبه .
سيدنا أبو ذر الغفاري رضي الله عنه :
لما حضرت أبا ذر الوفاة بكت زوجته فقال : ما يبكيك ؟
قالت : و كيف لا أبكي و أنت تموت بأرض فلاة وليس معنا ثوب يسعك كفنا،
فقال لها : لا تبكي و أبشري فقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لنفر أنا منهم : ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين و ليس من أولئك النفر أحد إلا و مات في قرية و جماعة ، و أنا الذي أموت بفلاة ، و الله ما كذبت و لا كذبت فانظري الطريق ، قالت :أنى و قد ذهب الحاج و تقطعت الطريق ، فقال انظري فإذا أنا برجال فألحت ثوبي فأسرعوا إلي فقالوا : ما لك يا أمة الله ؟
قالت : امرؤ من المسلمين تكفونه ..
فقالوا : من هو ؟
قالت : أبو ذر
قالوا : صاحب رسول الله
ففدوه بآبائهم و أمهاتهم و دخلوا عليه فبشرهم و ذكر لهم الحديث
و قال : أنشدكم بالله , لا يكفنني أحد كان أمير أو عريفا أو بريدا فكل القوم كانوا نالوا من ذلك شيئا غير فتى من الأنصار فكفنه في ثوبين لذلك الفتى و صلى عليه عبدا لله بن مسعود ، فكان في ذلك القوم رضي الله عنهم أجمعين.
سيدنا ابوالدرداء رضي الله عنه :
لما جاء أبا الدرداء الموت قال : ألا رجل يعمل لمثل مصرعي هذا ؟ ،ألا رجل يعمل لمثل يومي هذا ؟ ، ألا رجل يعمل لمثل ساعتي هذه ؟
ثم قبض رحمه الله.
سيدنا سلمان الفارسي رضي الله عنه :
بكى سلمان الفارسي عند موته , فقيل له : ما يبكيك ؟
فقال : عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يكون زاد أحدنا كزاد الراكب ، و حولي هذه الأزواد .
و قيل : إنما كان حوله إجانة و جفنة و مطهرة !
الإجانة : إناء يجمع فيه الماء
الجفنة : القصعة يوضع فيها الماء و الطعام
المطهرة : إناء يتطهر فيه سيدنا عبدا لله بن مسعود رضي الله عنه :
لما حضر عبدا لله بن مسعود الموت دعا ابنه فقال : يا عبدا لرحمن بن عبدا لله بن مسعود ، إني أوصيك بخمس خصال ، فإحفظهن عني : أظهر اليأس للناس ، فإن ذلك غنى فاضل ، و دع مطلب الحاجات إلى الناس ، فإن ذلك فقر حاضر ،و دع ما تعتذر منه من الأمور ، و لا تعمل به ، و إن استطعت ألا يأتي عليك يوم إلا و أنت خير منك بالأمس ، فافعل ، و إذا صليت صلاة فصل صلاة مودع ، كأنك لا تصلي بعدها .
الحسن بن علي سبط رسول الله و سيد شباب أهل الجنة رضي الله عنه : لما حضر الموت بالحسن بن علي رضي الله عنهما قال : أخرجوا فراشي إلى صحن الدار ، فأخرج فقال : اللهم إني أحتسب نفسي عندك ، فإني لم أصب بمثلها !
سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه :
قال معاوية رضي الله عنه عند موته لمن حوله : أجلسوني ، فأجلسوه فجلس يذكر الله ، ثم بكى و قال : الآن يا معاوية جئت تذكر ربك بعد الانحطام و الانهدام ، أما كان هذا وغض الشباب نضير ريان ؟! ، ثم بكى و قال : يا رب ، يا رب ، ارحم الشيخ العاصي ذا القلب القاسي ،اللهم أقل العثرة و اغفر الزلة ، و جد بحلمك على من لم يرج غيرك و لا وثق بأحد سواك ...
ثم فاضت رضي الله عنه.
سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه :
حينما حضر عمرو بن العاص الموت بكى طويلا و حول وجهه إلى الجدار ، فقال له ابنه : ما يبكيك يا أبتاه ؟ أما بشرك رسول الله ؟ ، فأقبل عمرو رضي الله عنه إليهم بوجهه و قال : إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله ، و أن محمدا رسول الله ، إني كنت على أطباق ثلاث : لقد رأيتني و ما أحد أشد بغضا لرسول الله صلى الله عليه و سلم مني ، ولا أحب إلى أن أكون قد استمكنت منه فقتلته ، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار .
فلما جعل الله الإسلام في قلبي ، أتيت النبي صلى الله عليه و سلم فقلت : إبسط يمينك فلأبايعنك ، فبسط يمينه ، قال : فقبضت يدي ، فقال صلى الله عليه وسلم : ما لك يا عمرو ؟
قلت : أردت أن أشترط
فقال صلى الله عليه وسلم : تشترط ماذا ؟
قلت : أن يغفر لي .
فقال صلى الله عليه وسلم : أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله ، و أن الهجرة تهدم ما كان قبلها ، و أن الحج يهدم ما كان قبله ؟
وما كان أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحلى في عيني منه ، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له , ولو قيل لي صفه لما استطعت أن أصفه ، لأني لم أكن أملأ عيني منه ،ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة .
ثم ولينا أشياء ، ما أدري ما حالي فيها ؟ ، فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة و لا نار ، فإذا دفنتموني فسنوا علي التراب سنا ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور و يقسم لحمها ، حتى أستأنس بكم ، و أنظر ماذا أراجع به رسل ربي .
سيدنا أبو موسى الأشعري رضي الله عنه :
لما حضرته الوفاة ، دعا فتيانه ، و قال لهم : إذهبوا فاحفروا لي و أعمقوا
، ففعلوا ، فقال : اجلسوا بي ، فو الذي نفسي بيده إنها لإحدى المنزلتين ، إما ليوسعن قبري حتى تكون كل زاوية أربعين ذراعا ، و ليفتحن لي باب من أبواب الجنة ، فلأنظرن إلى منزلي فيها و إلى أزواجي ، و إلى ما أعد الله عز و جل لي فيها من النعيم ، ثم لأنا أهدى إلى منزلي في الجنة مني اليوم إلى أهلي ، و ليصيبني من روحها و ريحانها حتى أبعث .
و إن كانت الأخرى ليضيقن علي قبري حتى تختلف منه أضلاعي ، حتى يكون أضيق من كذا و كذا ، و ليفتحن لي باب من أبواب جهنم , فلأنظرن إلى مقعدي و إلى ما أعد الله عز و جل فيها من السلاسل و الأغلال و القرناء ، ثم لأنا إلى مقعدي من جهنم لأهدى مني اليوم إلى منزلي ، ثم ليصيبني من سمومها و حميمها حتى أبعث .
سيدنا سعد بن الربيع رضي الله عنه :
لما انتهت غزوة أحد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من يذهب فينظر ماذا فعل سعد بن الربيع ؟
فدار رجل من الصحابة بين القتلى ، فأبصره سعد بن الربيع قبل أن تفيض روحه فناداه : ماذا تفعل ؟
فقال : إن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعثني لأنظر ماذا فعلت ؟
فقال سعد : إقرأ على رسول الله صلى الله عليه و سلم مني السلام و أخبره أني ميت و أني قد طعنت اثنتي عشرة طعنة و أنفذت في ، فأنا هالك لا محالة ، و إقرأ على قومي من السلام و قل لهم : يا قوم .. لا عذر لكم إن خلص إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و فيكم عين تطرف .
سيدنا عبدالله بن عمر رضي الله عنهما :
قال عبدا لله بن عمر قبل أن تفيض روحه : ما آسى من الدنيا على شيء إلا على ثلاثة : ظمأ الهوا جر ، ومكابدة الليل ، و مراوحة الأقدام بالقيام لله عز و جل ، و أني لم أقاتل الفئة الباغية التي نزلت (و لعله يقصد الحجاج و من معه).
سيدنا عبادة بن الصامت رضي الله عنه :
لما حضرت عبادة بن الصامت الوفاة ، قال : أخرجوا فراشي إلى الصحن ، ثم قال : اجمعوا لي موالي و خدمي و جيراني و من كان يدخل علي فجمعوا له فقال :
إن يومي هذا لا أراه إلا آخر يوم يأتي علي من الدنيا ، و أول ليلة من الآخرة ، و إنه لا أدري لعله قد فرط مني إليكم بيدي أو بلساني شيء ، و هو والذي نفس عبادة بيده ، القصاص يوم القيامة ، و أحرج على أحد منكم في نفسه شيء من ذلك إلا اقتص مني قبل أن تخرج نفسي .
فقالوا : بل كنت والدا و كنت مؤدبا .
فقال : أغفرتم لي ما كان من ذلك ؟
قالوا : نعم .
فقال : اللهم اشهد أما الآن فاحفظوا وصيتي : أحرج على كل إنسان منكم أن يبكي ، فإذا خرجت نفسي فتوضئوا فأحسنوا الوضوء ، ثم ليدخل كل إنسان منكم مسجدا فيصلي ثم يستغفر لعبادة و لنفسه ، فإن الله عز و جل قال : و استعينوا بالصبر و الصلاة و إنها لكبيرة إلا على الخاشعين ثم أسرعوا بي إلى حفرتي ، و لا تتبعوني بنار
الائمة الاعلام :
الإمام الشافعي رضي الله عنه :
دخل المزني على الإمام الشافعي في مرضه الذي توفي فيه ، فقال له : كيف أصبحت يا أبا عبدا لله ؟!
فقال الشافعي : أصبحت من الدنيا راحلا ، وللإخوان مفارقا ، ولسوء عملي ملاقيا ، ولكأس المنية شاربا ، وعلى الله واردا ، ولا أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنيها ، أم إلى النار فأعزيها ، ثم أنشأ يقول :
و لما قسـا قلبي و ضاقـت مذاهبي *** جـعـلت رجـائي نحـو عفـوك سلـما
تعاظـمــني ذنبــي فلـما قرنتـه *** بعـفــوك ربـي كـان عفوك أعظـما
فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل *** تجـود و تعـفـو منــة و تكـرمـا
الإمام الحسن البصري رضي الله عنه :
حينما حضرت الحسن البصري المنية حرك يديه وقال : هذه منزلة صبر و استسلام !
الإمام عبدا لله بن المبارك رضي الله عنه :
العالم العابد الزاهد المجاهد عبدا لله بن المبارك ، حينما جاءته الوفاة اشتدت عليه سكرات الموت ثم أفاق و رفع الغطاء عن وجهه و ابتسم قائلا : لمثل هذا فليعمل العاملون ، لا إله إلا الله ثم فاضت روحه.
الإمام الفضيل بن عياض رضي الله عنه :
العالم العابد الفضيل بن عياض الشهير بعابد الحرمين ، لما حضرته الوفاة ، غشي عليه ، ثم أفاق و قال : وابعد سفراه واقلة زاداه!
الإمام محمد بن سيرين رضي الله عنه :
روي أنه لما حضرت محمد بن سيرين الوفاة , بكى ، فقيل له : ما يبكيك ؟ ،
فقال : أبكي لتفريطي في الأيام الخالية ، و قلة عملي للجنة العالية وما ينجيني من النار الحامية.
الخليفة العادل الزاهد عمر بن عبدا لعزيز رضي الله عنه :
لما حضر الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز الموت قال لبنيه و كان مسلمة بن عبدا لملك حاضرا : يا بني ، إني قد تركت لكم خيرا كثيرا لا تمرون بأحد من المسلمين وأهل ذمتهم إلا رأوا لكم حقا .
يا بني ، إني قد خيرت بين أمرين ، إما أن تستغنوا وأدخل النار ، أو تفتقروا و أدخل الجنة ، فأرى أن تفتقروا إلى ذلك أحب إلي ، قوموا عصمكم الله ، قوموا رزقكم الله ، قوموا عني ، فإني أرى خلقا ما يزدادون إلا كثرة ، ما هم بجن و لا إنس .
قال مسلمة : فقمنا و تركناه ، و تنحينا عنه ، و سمعنا قائلا يقول : تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لايريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ، ثم خفت الصوت ، فقمنا فدخلنا ، فإذا هو ميت مغمض مسجى ! ولاة الأمر : الخليفة المأمون أمير المؤمنين رحمه الله
حينما حضر المأمون الموت قال : أنزلوني من على السرير ، فأنزلوه على
الأرض ، فوضع خده على التراب وقال :
يا من لا يزول ملكه ، إرحم من قد زال ملكه ... !
أمير المؤمنين عبدا لملك من مروان رحمه الله
يروى أن عبدا لملك بن مروان لما أحس بالموت قال : ارفعوني على شرف ، ففعل ذلك ، فتنسم الروح ، ثم قال : يا دنيا ما أطيبك ! ، إن طويلك لقصير ، و إن كثيرك لحقير ، و إن كنا منك لفي غرور ... !
هشام بن عبدا لملك رحمه الله
لما أحتضر هشام بن عبدا لملك ، نظر إلى أهله يبكون حوله فقال : جاء هشام إليكم بالدنيا و جئتم له بالبكاء ، ترك لكم ما جمع و تركتم له ما حمل ، ما أعظم مصيبة هشام إن لم يرحمه الله .
أمير المؤمنين الخليفة المعتصم رحمه الله
قال المعتصم عند موته : لو علمت أن عمري قصير هكذا ما فعلت ... !
أمير المؤمنين الخليفة الزاهد المجاهد هارون الرشيد رحمه الله
لما مرض هارون الرشيد ويئس الأطباء من شفائه ، و أحس بدنو أجله ، قال : أحضروا لي أكفانا فأحضروا له ، فقال : احفروا لي قبرا ، فحفروا له ، فنظر إلى القبر و قال : ما أغنى عني مالية ، هلك عني سلطانية ... !
ملاحظة استثنيت من ولاة الأمر : الصحابة ، وسيدنا عمر بن عبد العزيز حيث أدرجته مع الأئمة الأعلام لمكانته في العلم رضي الله عنهم أجمعين .
والحمد لله رب العالمين .
اللهم إنا نسألك الثبات ، وان تجنبنا الوثبات ، اللهم آمـــــــــين
منقول